كتب: علي الزيبق
.
غريبٌ هذا البيت المتاخم لسور عكا الشمالي. بيتٌ من حجر، وسورٌ من ركاخٍ أبيض يشي بالزمن. وقفتُ طويلاً أمام بوابته الحديدية التي ترتفع عن الأرض بضع سنتمترات، كأنها برزخٌ بين زمنين. انتظرتُ أن يخرج أحدٌ من مسامات المكان، حتى انشقّ الصمتُ عن قططٍ صغيرة حديثة الولادة؛ تخرجُ لتلتقط ما تيسر لها من فتات الحياة، ثم تعود سريعاً إلى دفيئتها الآمنة خلف السور.
من فوق ذلك السور، تدلّت فروع البرتقال والليمون مثقلةً بالثمر، وكأنها أيدٍ ممدودة تنادي المارة: “اقطفوني لكي أتجدد، فالأشجار يقتلها الهجر!”.بعد عشرين دقيقة من الوقوف في حضرة الذاكرة، انفتحت البوابة.
خرج شابٌ تايلندي يجرُّ كرسياً متحركاً عليه عجوزٌ ثمانيني، يعتمر قبعة صوفية نُقشت عليها آياتٌ توراتية. اقتربتُ منه، وسألته بالعبرية ليكسر صوتي رتابة المكان:
“هل تسكن هنا وحيداً؟”.
نظر إليّ وقال بجفاء: “لا… بل أسكن مع عربتي المتنقلة هذه”.
سألته وعيني تفتش في زوايا البيت: “وهل تعرف من صاحب هذا البيت الأصيل؟”.
ردّ ببرودٍ غرس في قلبي نصل الكلمات: “أحد أبنائه كان مخرّباً… وقتلناه في لبنان”.
شعرتُ بغصة، لكنني نظرتُ إلى الأغصان المتدلية وقلت: “هل لي أن أقطف بعض الثمار؟”.
أشاح بوجهه وقال وهو يبتعد: “من جهتي، تستطيع أن تقطع الشجرة من جذورها… هذه الأشجار غريبة، ترفض أن تموت على الرغم من إهمالي الشديد لها. تثمر في كل عام بغزارة، ولا يقطفها أحد… كأنها محرمة على البشر”.
لمستُ قشرة برتقالة دافئة، وقلتُ له في سري: “نعم… إنها محرمة على من لا يفهم لغتها، لأن يد زارعها بعيدة عن هنا، لكن جذوره ما زالت تحت الطين”.
قطفتُ بضع ثمرات، مسحتُ عنها غبار الغربة، وقرأتُ الفاتحة على روح من مرّوا من هنا… على روح الوالد محمد فايز، وروح ابنه غسان، الذي علّمنا أن البرتقال يموت إذا سُقي بدموع المغتربين.



