“محاكمة مكيافيلي” ليست رواية سردية تقليدية، بل هي “مسرح فكري” نصبه سمير عالم ليحاكم فيه ضمير الإنسان عبر شخصية “نيكولو مكيافيلي”.
الحبكة هنا وسيلة، والحوار الفلسفي ممتد على مدار الصفحات، تُستدعى شخصية من التاريخ لتقف في قفص الاتهام.
جمال القصة يكمن في جرأتها: الكاتب لا يحاكم مكيافيلي وحده، بل يحاكم كل من قرأ كتاب “الأمير” وطبّقه، وكل من برر القسوة باسم “الضرورة”، وكل من قال “الغاية تبرر الوسيلة”.
المحاكمة في الرواية ليست لماضٍ إيطالي في القرن السادس عشر، بل لعالمنا اليوم.
وذروة الجمال تأتي في لحظة انهيار الفصل بين القارئ والمتهم: حين تكتشف أنك لست قارئاً للرواية فقط، بل أنت أيضاً مدعى عليك.
فكلنا مارسنا “مكيافيلية صغيرة” في حياتنا: كذبة بيضاء، خيانة صامتة، طموح على حساب أحد.
سمير عالم يغلق الكتاب على وجهك كما يغلق باب قفص الاتهام عليك، بينما يتردد من حولك صدى قرع مطرقة القاضي.
تتحول الرواية إلى مناظرة فلسفية كبرى حول إشكاليات الحكم والإنسان: فلسفة “الغاية تبرر الوسيلة” يضع الكاتب مكيافيلي وجهاً لوجه أمام ضحاياه، وأمام الفلاسفة، وأمام القارئ.
يعرّي فكرة “البطل التاريخي” فكل عظيم في التاريخ، كما يثبت، قد داس على رقاب ليرتقي: الإسكندر، نابليون، والرأسماليين… جميعهم مارسوا المكيافيلية دون أن يسموها.
الكاتب يقول: التاريخ لا يكتبه الصامتون، بل من يجرؤ على أن يصرخ.
المحاكمة تأتي بعد قرون من موت مكيافيلي، في تلميح إلى أن العدالة البشرية دائماً متأخرة، وأن التاريخ قد يكون قاضياً أصدق من البشر.
سمير عالم اعتمد على أسلوب الحوار الجدلي، هو يبرع في تقشير الفكرة وتشريحها، بلغة فصيحة، محكمة، مشحونة بالحجج والبراهين، لا مكان للعاطفة هنا، بل لعقل يصارع عقلاً.
لا دموع ولا استعارات رقيقة إلا حين يتطلب السرد ذلك، البرودة هنا مقصودة: لأن الموضوع بارد، السلطة باردة، والسياسة باردة، والخيانة باردة، ليكون الأسلوب مرآة للموضوع.
الكاتب يتلاعب بمشاعر القارئ، فبعد كل فصل يتفجر فيه حدث، يتبعه بفصل يمنح القارئ فيه فرصة ليلتقط أنفاسه ومن ثم يصفعه بحدث آخر.
يبني الإيقاع كما يبني المدعي العام قضيته، حتى تصل إلى اللحظة التي تنهار فيها كل حجة أمام منطق العدالة.
حين بدأت بقراءة الرواية، كان أول ما استوقفني هو ذلك الإهداء في المقدمة “إلى السنجاب الذي خبأ حبات البندق في التراب، سيمحو آثار أقدامك المطر، وتخلّد ذكراك شجرة”
وتساءلت: لم قد يفكر كاتب في إهداء رواية قضى في تأليفها أكثر من سنتين ـــ كما وضح في المقدمة ـــ إلى سنجاب؟
بينما السنجاب لا يظهر سوى في مشهد واحد عابر ووحيد، دسه الكاتب هناك بخفة وخبث دون أن يلفت الانتباه إليه، ليتضح في نهاية الرواية الرمزية التي يمثلها.
الكاتب بهذه الرمزية يواجه مبدأ مكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” بالقول بأن أعظم الإنجازات هي نتيجة فعل بلا غاية!
وأن التغيير قد يحدثه أولئك الذين يعملون دون انتظار للتصفيق، وهم الأبطال المجهولون.
الخلاصة، “محاكمة مكيافيلي” رواية لا تُقرأ للاسترخاء، بل تُقرأ للمواجهة.
مواجهة مع ذاتك، مع مبادئك، مع تبريراتك اليومية.
الألغام في الرواية لم توضع لتتجنبها، بل لتدوس عليها وتفجرها لتكتشف ما تحتها، وتفك طلاسم رموزها.



