فلسطين بين اسرائيل الصهيونبة واسرائيل التوراتية… بقلم: جواد بولس

جواد بولس

بقلم: جواد بولس

.
نشرت وسائل الاعلام العبرية خبرًا مفاده أن وزير الجيش الاسرائيلي يوآڤ چالنت نقل، خلال جلسة الحكومة الاسرائيلية التي عقدت مساء يوم الاربعاء الفائت، رسالة هدد فيها بالانسحاب من الحكومة اذا ثبت ان هدف عملياتها العسكرية هو فرض السيطرة الاسرائيلية على قطاع غزة؛ ولذا طالب نتنياهو ان يعلن على الملاء ان ليس هذا ما يخطط له هو وحكومته. وقد نشر بأن موضوع البحث الرئيسي، الذي كان قد تصدّر جدول اعمال الحكومة، دار حول ضرورة حسم الحكومة الاسرائيلية موقفها ازاء مستقبل السلطة الفلسطينية؛ اذ ينادي عدة وزراء بضرورة التخلص منها، ويبذلون جهودا في دفع حكومتهم باتجاه الشروع الفوري بتنفيذ الخطوات اللازمة لضمان انهيارها التام،. مع العلم ان حكومة نتنياهو باشرت منذ سنوات بتنفيذ خطوات عملية استهدفت مكانة السلطة الفلسطينية وتقوضها بشكل تام.

ووفقًا لما جاء في الخبر، فقد أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نفسه خلال مناقشة الموضوع بأن “%80 من المواطنين الذين تلقوا تربيتهم لدى السلطة الفلسطينية يدعمون المجزرة. لن نعطي مكافآت ولن ندع ذلك يحصل”. وقام بتعيين الوزير يريف ليفين “مسؤولا أمام سائر الوزارات كي يقوم معها، خلال اربع وعشرين ساعة بتقديم توصياتهم، التي من شأنها المس بالسلطة الفلسطينية”.

لم تبدأ عملية اضعاف وانهاك السلطة الفلسطينية في اكتوبر المنصرم، لكنها بدأت تأخذ بَعده منحىً سياسيا مختلفا يتوافق مع عقائد حكام اسرائيل الجدد ومخططاتهم تجاه الارض الفلسطينية والشعب الفلسطيني؛ فما عدا بعض الفترات الاستثنائية في حياة الاحتلال الاسرائيلي منذ التوقيع على اتفاقيات اوسلو، مارست حكومات اسرائيل، طيلة الوقت، سياسة خنق السلطة الفلسطينية والتنكر لاستحقاقات اتفاقيات اوسلو، والتخطيط، في نفس الوقت، مع حلفائها في مشروع ادارة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وليس حله، الى خلق واقع لن يفضي الى نهاية الاحتلال بل لابقائه “بكامل بندقه وبندقيته”؛ ومن جهة ثانية، العمل على هندسة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وتحويلهم ببطء وبخبث الى ما يشبه وكلاء للاحتلال وتزويدهم ببعض عناصر القوة والحكم والامتيازات التي تمارسها بالعادة مؤسسات الدول الوطنية وحكوماتها؛ وبطبيعة الحال على ابقاء سلطة غزة مسؤولة عن ادارة سجن القطاع كله.

لست في معرض التعرض الى تاريخ هذه العلاقة، ولا الى مختلف العوامل التي ساهمت في ولادتها وثم الى تدحرجها حتى الحضيض الذي آلت اليه في السنوات الاخيرة؛ فما يهمني في هذه العجالة هو ليس البكاء على ما مضى ولا تأثيم قيادات السلطة كمذنبين وحيدين عمّا جرى، كما يصر عليه البعض، او تأثيم حركة حماس وحدها عن دورها في “خلاف الاخوة” والاستفراد في حكم غزة وتحويلها الى ميناء للمقلعين نحو حلم اقامة الدولة الاسلامية كما يصر عليه البعض الآخر، ما يهمني اليوم هو التأكيد على ما يخطط له حكام اسرائيل ومن يؤيّدوهم، في الخفاء أو في العلن، من عرب وغرب وعجم، الان وبعد الحرب على غزة.

لقد ادّعت حكومة نتنياهو ان هدف حربها على غزة هو القضاء على حركة حماس وعلى قوتها العسكرية، لكن انهر الدم والمقابر الجماعية واشلاء البشر تحت الركام وفي الشوارع، تشهد ان الضحية المستهدفة لم تكن حماس وحدها بل قطاع غزة كله وسكانه. وقالوا ان غزة تدفع فدية القدس والضفة المحتلتين. ولكن، إن كانت غزة هي مرآة لصورة العبث والشر المطلقين، كانت القدس، صخرة الامل المذبوح، “عروسا لا عريس لها”، وكانت الضفة ارض شعب “يتهادى نحو مستقبله بعباءات الشفق الارجواني” . لقد قال شاعرنا الدرويش أن “للحقيقة وجهان” وقد صدق؛ بيد انه لو لم يرحل نحو ذاك العدم وبقي ليرى غزة تذبح ويقطّع لحمها، كما في اساطير الوحوش، لعذرني إن قلت: للحقيقة في بلادي وجه واحد: تذهب دماء البشر هباءً في حروب يخوضها القادة من اجل السماء وباسم الحجر.

لقد مضى على هذه الحرب 225 يوما، ومن لم يفهم حتى اليوم عليه ان يفهم ان عنوان هذا الصراع الدائر على ارض فلسطين وشعبها هو اكبر من القضاء على “حماس غزة” واسقاط سلطة “فتح رام الله”؛ وهو صراع اذا لم يحسم، داخل اسرائيل بالاساس، فلسوف تبقى السيوف مرفوعة بأيدي “كهنة المعبد” وحلفائهم من قادة شعب الله المختار. انه صراع على أبواب السماء ومذابحها في الأرض، بين “اسرائيل المحتلة” التي ربت ورعت “السلطة” التي شُبّه لها انها تحكم في ضفة فلسطينية حرة، وتعايشت مع سلطة اسلامية في غزة حين شُبّه لها انها احتوتها وروضتها، وبين اسرائيل التي تريد ان “تتحرر” من كونها دولة محتلة وتحكم في فلسطين كسيدة ولها عبيد.

كان الفلسطينيون منذ اليوم الاول للاحتلال الضحية وبقوا الضحية؛ بيد ان برق السابع من اكتوبر أضاء للبعض فحمة الوهم وعرّاه حتى اصبح سؤال الضحية أوضح: فأي الاسرائيلتين سيواجه الفلسطينيون والعرب، كل الفلسطينيين والعرب بعد ان يتخلى عنهم اعوان سيدهم ابراهيم ؟ هل هي اسرائيل “هبة السماء” وحدودها، كما وعد بها الرب شعبه المختار، بين بحر ونهر والمدى الازرق، لا أقل؟ ام هي بيت “قوم ضاعوا” و “مأوى لضحية” لم تعد ضحية بل صيّادا مضطربًا يطارد فرائسه الفلسطينية.

اخترت ان اكتب عن هذه المسألة، التي تبدو اسرائيلية وحسب، لان الكثيرين من الكتاب والمعلقين والادباء الاسرائيليين كانوا قد تطرقوا اليها وهم يحتفون بذكرى يوم استقلال دولتهم السادس والسبعين. فعلى الرغم من ان معظم القراء العرب لا يفرقون بين “اسرائيل واسرائيل” ما دامت كلتاهما محتلتين ودمويّتين، ارى ان النقاش داخل اسرائيل، في هذه المسائل، يحمل في طياته مؤشرات على حدوث تصدعات جدية داخل الاجماع اليهودي الصهيوني يجب ان تهمنا، نحن الفلسطينيين بالذات.

قد يكون ما كتبه المؤرخ الاسرائيلي المعروف عالميا أريه نوح هراري، (صاحب الكتاب الشهير “تلخيص تاريخ البشرية”) في موقع “واي نت” العبري يوم ١٣ مايو ايار الجاري، شهادة لافتة على الصراع حول ماهية اسرائيل والتحديات التي تواجهها .

فتحت عنوان “في يوم الاستقلال ال 76 على اسرائيل ان تحسم في مسألة من شأنها ان تحدد مستقبلها” كتب: “ماذا علينا ان نعمل؟ ان نرفع رأسنا كدولة صهيونية وديمقراطية تحظى بدعم الدول الغربية في وجه مواجهة ايران، او ان نقامر على مساعدة السماء”. لا اوافق الكاتب على العديد من افكاره التي طرحها في المقال؛ لكن معالجته لمسألة الفرق بين اسرائيل الصهيونية، التي يدعمها، وبين اسرائيل، دولة العرق اليهودي المتفوق ، تبقى لافتة وهامة خاصة عندما يصف تداعيات هذا التحول والتحديات المصيرية التي ستضع جميع اليهود في اسرائيل وفي العالم اجمع، امامها .

لقد امتلات الصحف الاسرائيلية بمقالات ناقش اصحابها اهداف حكومة نتنياهو من استمرار الحرب على غزة وما افضت اليه المجازر الاسرائيلية من تغييرات ضد اسرائيل في العالم ودعا بعضهم الى وقف هذه الحرب والسعي وراء حل القضية الفلسطينية قبل ان يصبح مصير اسرائيل مرهونًا بالكامل بايدي متطرفين يهود عرف تاريخ البشرية الاسود امثالهم. انه نقاش هام يجب الالتفات اليه وتجنيده، في مواجهة سياسات الحكومة الاسرائيلية وافعالها.

لقد شعرت بالحزن مرتين وانا اقرأ ما يكتبه هؤلاء المعارضين، مرة لانهم لم يرفعوا صوتهم ضد الحرب منذ بدايتها، ومرة لانني افتقد لمثل هذه النقاشات في صحافتنا العربية والفلسطينية خاصة.

فمتى سيصبح طرح اسئلتنا الوجودية ومناقشتها مقبولا ومتاحا في فضاءاتنا العربية ؟ فماذا كانت اهداف حماس السياسية في السابع من اكتوبر؟ وهل يوجد سيناريوهات سياسية حالية عندها مرتبطة بالحرب المستمرة او بعد انتهائها ؟ وهل يوجد لدى حماس موقف من قرار حكومة اسرائيل اسقاط “سلطة رام الله “؟ او مناقشة فرص استعادة الوحدة الفلسطينية الحقيقية في ظل شعور حركة حماس بالنصر واصرارها على استلام السلطة في غزة او ربما في الضفة ايضا ؟ او ما هي مخططات فصائل منظمة التحرير في حال تسببت حكومة اسرائيل باسقاط السلطة والغاء اتفاقية اوسلو والقضاء على امكانية حل الدولتين ؟ وما الى ذلك من اسئلة خارجة عن اساليب التمجيد الفئوية او الشخصية والمتحدية للوازم التابوهات السياسية والدينية والعقائدية. ان تغييب هذه الاسئلة لا يعود بالفائدة علينا وافضى الى بقائنا عالقين منذ مائة عام بين فكي معادلتين: تفترض الاولى ان كل اليهود سواء، والثانية تجزم ان اسرائيل الى زوال، فلنبشر لأن الفرج قريب.

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com
جديد الأخبار